أبي بكر جابر الجزائري
543
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
خمسين عاما أي فلم يؤمن بعد اليوم أحد من قومك وعليه فلا تبتئس « 1 » أي لا تغتم ولا تحزن بسبب ما كانوا يفعلون من الشر والفساد والكفر والمعاصي فإني منجيك ومن معك من المؤمنين ومهلكهم بالغرق . وقوله تعالى في الآية الثانية ( 37 ) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا أي وأمرناه أن يصنع الفلك أي السفينة تحت بصرنا وبتوجيهنا وتعليمنا . إذ لم يكن يعرف السفن ولا كيفية صنعها وقوله وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا أي لا تسألني لهم صرف العذاب ولا تشفع لهم في تخفيفه عليهم ، لأنا قضينا بإهلاكهم بالطوفان فهم لا محالة مغرقون قوله تعالى وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ « 2 » وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ يخبر تعالى عن حال نوح وهو يصنع الفلك بقطع الخشب ونجره وتركيبه وقومه يمرون عليه وكلما مرّ عليه أشراف القوم وعليتهم يسخرون منه كقولهم يا نوح أصبحت نجارا أو وهل تنقل البحر إليها ، أو تنقلها إلى البحر فيرد عليهم نوح عليه السّلام بقوله إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ أي منا . فسوف تعلمون أي مستقبلا من يأتيه عذاب يخزيه أي يذله ويهينه ويكسر أنف كبريائه ، ويحل « 3 » عليه عذاب مقيم وهو عذاب النار يوم القيامة وهو عذاب دائم لا ينتهى أبدا . هداية الآيات : من هداية الآيات : 1 - كراهية الحزن والأسى والأسف على ما يقوم به أهل الباطل والشر والفساد . 2 - بيان تاريخ صنع السفن وانها بتعليم اللّه لنوح عليه السّلام . 3 - بيان سنة البشر في الاستهزاء والسخرية بأهل الحق ودعاته لظلمة نفوسهم بالكفر والمعاصي . 4 - بيان صدق وعد اللّه رسله . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 40 إلى 44 ] حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ( 40 ) وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 41 ) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ ( 42 ) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ( 43 ) وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 44 )
--> ( 1 ) الابتئاس : افتعال من البؤس الذي هو الهمّ والحزن . قال الشاعر : وكم من خليل أو حميم رزأته * فلم أبتئس والرزء فيه جليل ( 2 ) اختلفت الأقوال في مدّة صنع السفينة ، أكثرها أنها : أربعون سنة . وجائز أن تكون أكثر ، لأنّ عمل فرد واحد في صنع سفينة يتطلب وقتا طويلا أمّا حجمها فيدل على كبره ما حمل فيها ، إذ حمل فيها كل مؤمن ومؤمنة ومن كل زوجين اثنين ، فحجمها لا شك أنه واسع كبير ، وقيل : كانت السفينة ثلاث طبقات : السفلى للدواب والوحوش ، والوسطى للإنس ، والعليا للطيور . واللّه أعلم ، والحديث عن طول السفينة وعرضها ومادتها كله من باب علم لا ينفع وجهالة لا تضر . ( 3 ) أي : يجب عليه وينزل به .